الغزالي

49

إحياء علوم الدين

فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب الله ! ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفيّ ، أو لحمق جليّ . أما الكفر الخفيّ فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب ، وقلة معرفتك بعظم قدر الثواب والعقاب وأما الحمق الجلي فاعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه ، من غير التفات إلى مكره ، واستدراجه ، واستغنائه عن عبادتك ، مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز ، أو حبة من المال ، أو كلمة واحدة تسمعينها من الخلق ، بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل . وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال « الْكَيِّسُ من دَانَ نَفْسَه ُ وعَمِلَ لمَا بَعْدَ الْمَوْتِ والأَحْمَقُ من أَتْبَعَ نَفْسه ُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى الله الاْءمَانِىَّ » ويحك يا نفس ، لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ، ولا يغرنك باللَّه الغرور ، فانظري لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك ، ولا تضيعى أوقاتك فالأنفاس معدودة ، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك ، فاغتنمى الصحة قبل السقم ، والفراغ قبل الشغل ، والغنى قبل الفقر ، والشباب قبل الهرم ، والحياة قبل الموت ، واستعدى للآخرة على قدر بقائك فيها يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته ، فتجمعين له القوت ، والكسوة والحطب وجميع الأسباب ، ولا تتّكلين في ذلك على فضل الله وكرمه ، حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ، ولبد ، وحطب وغير ذلك ، فإنه قادر على ذلك ، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف بردا ، وأقصر مدة من زمهرير الشتاء ؟ أم تظنين أن ذلك دون هذا كلَّا أن يكون هذا كذلك ، أو أن يكون بينهما مناسبة في الشدة والبرودة . أفتظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي ؟ هيهات ، كما لا يدفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات . وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصن ، ويسر لك أسبابه ، لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه كما أن كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار ، وهداك لطريق استخراجها من بين حديدة وحجر حتى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك ، وكما أن شراء الحطب والجبة مما يستغنى عنه خالقك ومولاك ، وإنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سببا لاستراحتك ، فطاعاتك م 7 : خامس عشر - إحياء